ابن أبي الحديد
89
شرح نهج البلاغة
وحرم الزنا تحصينا للنسب ، فإنه يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب ، وألا ينسب أحد بتقدير ألا يشرع النكاح إلى أب ، بل يكون نسب الناس إلى أمهاتهم ، وفي ذلك قلب الحقيقة ، وعكس الواجب ، لان الولد مخلوق من ماء الأب ، وإنما الام وعاء وظرف . وحرم اللواط تكثيرا للنسل ، وذلك اللواط بتقدير استفاضته بين الناس والاستغناء به عن النساء يفضي إلى انقطاع النسل والذرية ، وذلك خلاف ما يريد الله تعالى من بقاء هذا النوع الشريف الذي ليس في الأنواع مثله في الشرف ، لمكان النفس الناطقة التي هي نسخة ومثال للحضرة الإلهية ، ولذلك سمت الحكماء الانسان العالم الصغير . وحرم الاستمناء باليد وإتيان البهائم للمعنى الذي لأجله حرم اللواط ، وهو تقليل النسل ، ومن مستحسن الكلمات النبوية قوله عليه السلام في الاستمناء باليد : ( ذلك الوأد الخفي ) لان الجاهلية كانت تئد البنات أي تقتلهن خنقا ، وقد قدمنا ذكر سبب ذلك ، فشبه عليه السلام إتلاف النطفة التي هي ولد بالقوة بإتلاف الولد بالفعل . وأوجبت الشهادات على الحقوق استظهارا على المجاحدات ، قال النبي صلى الله عليه وآله : ( لو أعطى الناس بدعاويهم لاستحل قوم من قوم دماءهم وأموالهم ) ، ووجب ترك الكذب تشريفا للصدق ، وذلك لان مصلحة العامة إنما تتم وتنتظم بالصدق ، فإن الناس يبنون أكثر أمورهم في معاملاتهم على الاخبار ، فإنها أعم من العيان والمشاهدة ، فإذا لم تكن صادقة وقع الخطأ في التدبيرات ، وفسدت أحوال الخلق . وشرع رد السلام أمانا من المخاوف ، لان تفسير قول القائل ( سلام عليكم ) أي لا حرب بيني وبينكم بل بيني وبينكم السلام ، وهو الصلح .